أبراهام الحاج موسى | خاص Cedar Daily News
يشكّل عقد العمل أحد أكثر العقود حساسيةً في المنظومة القانونية، لأنه لا ينظّم علاقة مالية فحسب، بل يمسّ مصدر رزق غالبية المواطني خاصة الأجير وكرامته واستقراره الاجتماعي. ومن هنا، فقد خرج المشترع اللبناني عن القواعد العامة في قانون الموجبات والعقود، التي تجيز مبدئياً لكل من الطرفين إنهاء العقد غير المحدد المدة، ليقيّد حرية صاحب العمل في الصرف بـ”ضوابط حمائية”، أبرزها نظرية الصرف التعسفي المكرّسة في المادة 50 من قانون العمل الصادر عام 1946 وتعديلاتها، لا سيما التعديل الحاصل بالمرسوم رقم 9640 تاريخ 6/2/1975.
سنعالج في هذه الدراسة مفهوم الطرد التعسفي، ومعاييره في الاجتهاد اللبناني، ثم نظام التعويضات المترتبة عليه، وصولاً إلى الإشكاليات العملية التي يطرحها.
أولاً: مفهوم الصرف التعسفي وأساسه القانوني
القاعدة العامة أن عقد العمل غير المحدد المدة يجوز لكل من طرفيه إنهاؤه، شرط احترام مهلة الإنذار المسبق التي تتدرج بحسب أقدمية الأجير. غير أن هذه الحرية ليست مطلقة؛ فقد نصّت المادة 50 من قانون العمل، لا سيما بعد تعديلها، على حالاتٍ يُعتبر فيها إنهاء العقد من قبل صاحب العمل تعسفياً أو مخالفاً للقانون،
ومنها على سبيل المثال:
الصرف بسبب انتماء الأجير النقابي أو نشاطه النقابي المشروع؛ والصرف بسبب تقدّمه بشكوى صادقة إلى الإدارات المختصة أو ادعائه عليها تطبيقاً لأحكام القانون؛ والصرف لسبب لا يمتّ بصلة إلى أهلية الأجير أو سلوكه داخل المؤسسة، أو لا تبرره حاجات سير العمل؛ والصرف الذي يخالف الأصول الجوهرية المفروضة قانوناً، كصرف المرأة الحامل خلافاً للحماية المقررة لها، أو أعضاء المجالس النقابية دون مراعاة الأصول الخاصة بهم.
ويذهب الفقه اللبناني، متأثراً بالفقه الفرنسي، ولا سيما نظرية التعسف في استعمال الحق عند جوسران Josserand التي تلقفها الفقهاء اللبنانيون وطبّقتها المحاكم، إلى أن جوهر التعسف يكمن في انحراف صاحب العمل عن الغاية المشروعة لحق الصرف: فالحق في إنهاء العقد مقرَّر لخدمة مصلحة المؤسسة المشروعة، فإذا استُعمل للانتقام أو التنكيل أو لغايةٍ غريبة عن مصلحة العمل، انقلب تعسفاً موجباً للتعويض. وقد كرّس الاجتهاد هذا المعيار صراحةً، إذ اعتبرت محكمة التمييز المدنية في قرار لها أن صرف الأجير لسبب غير مقبول لا يرتبط بأهليته ولا بتصرفه داخل المؤسسة، وإنما لأسباب وخلافات شخصية، يُعدّ صرفاً تعسفياً بموجب المادة 50 من قانون العمل. كما قضى مجلس العمل التحكيمي في قرار له بأن الصرف يُعتبر تعسفياً إذا كان غير مبرَّر قانوناً أو شكّل تجاوزاً في استعمال الحق سنداً للمادة 50 فقرة (د) من قانون العمل.
ثانياً: معايير التمييز بين الصرف المشروع والصرف التعسفي في الاجتهاد
استقر اجتهاد مجالس العمل التحكيمية، وهي المرجع الصالح للنظر في نزاعات الصرف، على جملة مبادئ توجيهية:
- السبب المشروع والجدي: لا يكفي أن يتذرّع صاحب العمل بأي سبب، بل يجب أن يكون السبب حقيقياً وجدياً، متصلاً إما بسلوك الأجير أو كفاءته، وإما بحاجات اقتصادية أو تنظيمية فعلية للمؤسسة. وقد اعتبر الاجتهاد أن الأسباب الاقتصادية، كالصرف الجماعي بموجب المادة 50 فقرة (و)، تخضع لرقابة فعلية، فلا يُقبل التذرّع بضائقة اقتصادية وهمية تُتّخذ ستاراً للتخلص من أجراء معينين. وتخضع هذه الحالات فضلاً عن ذلك لشكليات جوهرية، إذ قضت محكمة التمييز المدنية في قرار بأن تخلّف رب العمل عن تبليغ الإنذار إلى وزارة العمل قبل شهر من الصرف يجعل الصرف تعسفياً سنداً للمادة 50 فقرة (و).
- عبء الإثبات: جرى الاجتهاد على التخفيف عن الأجير في الإثبات، انسجاماً مع الطابع الحمائي لقانون العمل. فمتى أثبت الأجير واقعة الصرف، انتقل إلى صاحب العمل عبء إثبات مشروعية السبب وجديته. وتُقدَّر الوقائع بحرية أمام مجلس العمل التحكيمي الذي يفصل، وفق قانون إنشائه، بمقتضى الإنصاف إلى جانب القانون، وللأجير أن يثبت صحة ادعائه بجميع طرق الإثبات وفق صريح الفقرة (ب) من المادة 50.
- الصرف المقنّع والتعديل الجوهري للعقد: توسّع الاجتهاد في مفهوم الصرف ليشمل ما يُعرف بالصرف المقنّع: كأن يعمد صاحب العمل إلى تخفيض الأجر أو تجريد الأجير من صلاحياته أو نقله نقلاً تعسفياً مذلاً بقصد دفعه إلى الاستقالة. فاعتبرت المحاكم أن الاستقالة الناتجة عن ضغوط من هذا النوع لا تُعدّ استقالة حرة، بل صرفاً تعسفياً مبطّناً يرتّب كامل التعويضات.
- التمييز عن الصرف التأديبي المبرر: في المقابل، أجازت المادة 74 من قانون العمل لصاحب العمل صرف الأجير دون إنذار ودون تعويض في حالات الخطأ الجسيم المعددة فيها، كانتحال جنسية كاذبة، أو ارتكاب عمل مخلّ بالآداب داخل المؤسسة، أو الإضرار المقصود بمصالح صاحب العمل، أو الغياب غير المبرر المتكرر وفق الشروط القانونية. وفي هذا الإطار أكدت محكمة التمييز المدنية في قرارها رقم 6 تاريخ 31/01/2017 أنه يحق لرب العمل فسخ العقد دون إنذار أو تعويض إذا ارتكب الأجير جنحة أثناء العمل. غير أن الاجتهاد استقر على أن هذه الحالات حصرية وتُفسَّر تفسيراً ضيقاً، لأنها استثناء على مبدأ حماية الأجير، وعلى أن صاحب العمل ملزم بالتقيد بالمهل والشكليات القانونية لممارسة هذا الحق وإلا سقط. وخير مثال على هذا التشدد قرار مجلس العمل التحكيمي رقم 241 تاريخ 31/03/2016، الذي اعتبر أن عدم احترام شرط إعلام وزارة العمل بالخطأ المرتكب من قبل الأجير خلال ثلاثة أيام من اكتشافه وقبل الصرف، وفق أحكام الفقرة (3) من المادة 74، يجعل العقد مفسوخاً بصورة تعسفية، فينقلب الصرف التأديبي المزعوم صرفاً تعسفياً بكامل مفاعيله لمجرد إغفال الشكلية.
ثالثاً: نظام التعويضات
يرتّب الصرف التعسفي منظومة تعويضات متكاملة يمكن ردّها إلى ثلاث فئات:
- بدل الإنذار (التعويض عن مهلة الإنذار): إذا صُرف الأجير دون احترام مهلة الإنذار المقررة قانوناً، والمتدرجة بحسب سنوات خدمته من شهر واحد إلى أربعة أشهر، استحق أجره كاملاً عن هذه المهلة، بمعزل عن أي تعويض آخر.
- التعويض عن الصرف التعسفي: وهو التعويض الجوهري الذي نصّت عليه المادة 50، ويتراوح بين بدل شهرين وبدل اثني عشر شهراً من الأجر، إضافةً إلى بدل الإنذار. ويعود تقديره لمجلس العمل التحكيمي الذي يراعي في ذلك عناصر عدة كرّسها الاجتهاد: أقدمية الأجير وسنّه ووضعه العائلي؛ وفداحة الظروف التي رافقت الصرف كالصرف المهين أو المفاجئ؛ ومدى الضرر المادي والمعنوي اللاحق بالأجير وصعوبة إيجاده عملاً جديداً؛ وسوء نية صاحب العمل أو حسنها. وقد كرّست محكمة التمييز في قرار وجوب تقدير التعويض بحسب مدة عمل الأجير ونوعه وسنّه. ويُحتسب التعويض على أساس الأجر الأخير الشامل بجميع ملحقاته الثابتة، كبدل النقل الدائم والمنح المنتظمة، وفق ما استقر عليه اجتهاد مجالس العمل التحكيمية ومحكمة التمييز. على أن التطور الاجتهادي الأبرز في هذا المجال جاء في ظل الانهيار النقدي: فقد أصدر مجلس العمل التحكيمي في لبنان الشمالي قراراً بالغ الأهمية منذ سنة، إذ وجد أن سقف التعويض القانوني البالغ اثني عشر شهراً لم يعد يساوي، بفعل انهيار سعر صرف الليرة، سوى نحو سبعة عشر مليون ليرة أي ما يقارب مئتي دولار في حالة الأجير المدعي، فألزم صاحب العمل، إضافةً إلى ذلك، بتعويض عن العطل والضرر قدره خمسمئة مليون ليرة على خلفية التعسف وسوء النية، أي ما يعادل نحو ثلاثين ضعف السقف القانوني. وقد استخلص المجلس سوء النية الفادح لدى المستشفى المدعى عليها من واقعة تقدّمها بشكوى جزائية كيدية بتهمة السرقة ضد الأجير بتاريخ لاحق لإقامة دعواه العمالية.
وهكذا فتح الاجتهاد باب المسؤولية عن سوء النية كأساس مستقل يتجاوز به سقف المادة 50، بما يعيد للحماية فعاليتها التي أفرغها الانهيار النقدي من مضمونها.
- تعويض نهاية الخدمة أو تعويض الصرف من الصندوق: يبقى للأجير الخاضع لنظام الضمان الاجتماعي حقه في تعويض نهاية الخدمة وفق أحكام قانون الضمان، وهو حق مستقل عن التعويض عن الصرف التعسفي ولا يحول أحدهما دون الآخر.
ملاحظة إجرائية جوهرية:
قيّد المشترع دعوى المطالبة بالتعويض عن الصرف بمهلة شهر واحد من تاريخ تبليغ الصرف بموجب الفقرة (ب) من المادة 50، وهي مهلة استقر الاجتهاد على التشدد فيها. وقد حسم الاجتهاد طبيعتها القانونية، إذ قضى مجلس العمل التحكيمي في قرار تاريخ 31/07/1996 بأن الأجير المصروف تعسفاً لا يستحق التعويض إذا قدّم دعواه بعد مهلة الشهر القانونية، وبأن هذه المهلة هي مهلة إسقاط وليست مهلة مرور زمن، فلا تسري عليها أحكام المادة 357 من قانون الموجبات والعقود المتعلقة بانقطاع مرور الزمن وتعليقه، مما يوجب على الأجير المبادرة السريعة إلى المراجعة أمام مجلس العمل التحكيمي.
أخيراً وليس آخراً، تعكس نظرية الصرف التعسفي في القانون اللبناني فلسفة حمائية راسخة، صقلها اجتهاد مجالس العمل التحكيمية على مدى عقود بروح الإنصاف التي أرادها المشترع، وتوّجها مؤخراً باجتهاد جريء تجاوز به سقف التعويض القانوني جبراً لضرر الأجير في زمن الانهيار. غير أن التحولات الاقتصادية العميقة التي يشهدها لبنان تجعل تحديث المادة 50 وما يتصل بها ضرورةً ملحّة: برفع سقوف التعويض، وتمديد مهل المراجعة، وتسريع المحاكمات، بما يعيد التوازن الحقيقي، لا الشكلي، بين سلطة صاحب العمل ومصدر رزق الأجير.
